الشيخ محمد عبده

70

رسالة التوحيد

ومنهم من قال إنها متى فارقت الجسد عادت إلى تجردها عن المادة حافظة لما فيه لذتها أو ما به شقوتها ، ومنهم من رأى أنها تتعلق بأجسام أثيرية ، ألطف من هذه الأجسام المرئية ، وكان اختلاف المذاهب في كنه السعادة والشقاء الأخرويين وفيما هو متاع الحياة الآخرة ، وفي الوسائل التي تعد للنعيم أو تبعد عن النكال الدائم ، وتضارب آراء الأمم فيه قديما وحديثا مما لا تكاد تحصى وجوهه . هذا الشعور العام بحياة بعد هذه الحياة المنبث في جميع الأنفس : عالمها وجاهلها ، وحشيها ومستأنسها ، وباديها وحاضرها ، قديمها وحديثها ، لا يمكن أن يعد ضلة عقلية ، أو نزعة وهمية ، وإنما هو من الإلهامات التي اختص بها هذا النوع ، فكما ألهم الإنسان أن عقله وفكره هما عماد بقائه في هذه الحياة الدنيا ، وإن شد أفراد منه ذهبوا إلى أن العقل والفكر ليسا بكافيين للإرشاد في عمل ما ، أو إلى أنه لا يمكن للعقل أن يوقن باعتقاد ، ولا للفكر أن يصل إلى مجهود ، بل قالوا إنه لا وجود للعالم إلا في اختراع الخيال ، وإنهم شاكون حتى في أنهم شاكون ، ولم يطعن شذوذ هؤلاء في صحة الإلهام العام المشعر لسائر أفراد النوع أن الفكر والعقل هما ركن الحياة وأس البقاء إلى الأجل المحدود ، كذلك قد ألهمت العقول وأشعرت النفوس أن هذا العمر القصير ليس هو منتهى ما للإنسان في الوجود ، بل الإنسان ينزع هذا الجسد ، كما ينزع الثوب عن البدن ، ثم يكون حيا باقيا في طور آخر وإن لم يدرك كنهه . ذلك إلهام يكاد يزاحم البديهة في الجلاء ، يشعر كل نفس أنها خلقت مستعدة لقبول معلومات غير متناهية من طرق غير محصورة ، شيقة إلى لذائذ غير محدودة ولا واقفة عند غاية ، مهيأة لدرجات من الكمال لا تحددها أطراف المراتب والغايات ، معرضة لآلام من الشهوات ونزعات الأهواء ، ونزوات الأمراض على الأجساد ؛ ومصارعة الجواء والحاجات ، وضروب من مثل ذلك لا تدخل تحت عد ، ولا تنتهى عند حد إلهام يلفتها بعد هذا الشعور إلى أن واهب الوجود للأنواع ، وإنما قدر الاستعداد بقدر الحاجة في البقاء ، ولم يعهد في تصرفه العبث والكيل الجزاف ، فما كان استعداده لقبول ما لا يتناهى من معلومات وآلام ولذائذ وكمالات ، لا يصح أن يكون بقاؤه قاصرا على أيام أو سنين معدودات .